طيرة بني صعب في الحرب: نضال وصمود فبقاء

لا تزال مدينة الطيرة في المثلث تعرف بطيرة بني صعب نسبة إلى قبيلة بني صعب القادمة إلى فلسطين مع صلاح الدين الأيوبي. في سنة 1310ھ/1892م استحدث العثمانيون قضاء بني صعب وجعلوا مركزه في طولكرم فأصبحت الطيرة تابعة إلى هذا القضاء، والبلدات المسماة بطيرة كثيرة في فلسطين وهي: طيرة بني صعب أو الطيرة القبلية، طيرة الكرمل أو طيرة اللوز، طيرة دندن في قضاء الرملة، طيرة رام الله وطيرة بيسان. ومعنى كلمة الطيرة هو البيت الواسع والمحصن وهي كلمة كانت منتشرة في أوروبا في القرون الوسطى.

معارك شهر أيار: خلال شهر أيار سنة 1948 كانت طيرة بني صعب مسرحاً لمعارك دامية ضد الصهاينة، ففي 13 أيار 1948 وقعت أول هجمة “للهاغاناه” على القرية، وهي “هجمة الخميس” كما يسميها أهل الطيرة و”عملية الدولة” كما سمتها المنشورات العبرية. بدأ الهجوم بتسلل 120 مقاتلاً صهيونياً عبر كروم العنب الواقعة في الشمال الغربي لقرية الطيرة من ناحية “كفار هس”، ولكن هذا الهجوم فشل بفضل صمود مجاهدي الطيرة و12 مقاتلاً حموياً من جيش الإنقاذ والفزعات القادمة من الشرق، وقد أسفر عن مقتل 24 جندياً إسرائيلياً، منهم أربعة ما زالوا مفقودين حتى يومنا هذا، وخمسة عشرة ظلوا في الميدان إلى أن حقق الصليب الأحمر هدنة قصيرة فنقلت جثثهم إلى كفار هيس.

كان الجنود اليهود يتصورون أن احتلال الطيرة مجرد نزهة حتى أن أحد المسؤولين عاد إلى بيته وأحضر جهاز تسجيل (بتبفون) لكي يرقصوا على أنغامه في الطيرة بعد احتلالها، ولكن أهل الطيرة رقصوا على جثته على حد تعبير إحدى الروايات العبرية. استشهد في الهجوم كل من: محمد عبد الرازق طه، عبد الحافظ أحمد فضيلي ومحمد عبد الرحمن مصاروة من الطيرة، وواحد من قرية مسكة وأصله من كفر سابا العربية واسمه أبو عثمان ومقاتل واحد من جيش الإنقاذ من حماة في سوريا.

في اليوم التالي في 14 أيار 1948 وقع الهجوم الثاني على الطيرة، وقد سمى أهل الطيرة هذا الهجوم “هجمة الجمعة” وسمتها الرواية العبرية الرسمية “عملية الدولة”، مثل سابقتها. في صباح ذلك اليوم بدأت الهاغاناه بقصف القرية بمدافع الهاون والرشاشات الثقيلة من الجهة الجنوبية من ناحية مستعمرة “رمات هكوفيش” ما أدى إلى نزوح الشيوخ والنساء والأطفال ولم يبق سوى المجاهدين الذين استماتوا في الدفاع عن بلدهم يرافقهم الحمويون التابعون لجيش الإنقاذ ونجدة جاءتهم من قرية سيلة الظهر من قضاء نابلس. انتهى الهجوم بالفشل وقد استشهد من سكان الطيرة كل من محمود حسين قاسم الملقب بقحلوط، وعقاب أحمد قشوع ومحمود محمد بشارة. في اليوم التالي يوم السبت 15 أيار سمح للصليب الأحمر في البحث عن جثث قتلى الهاغاناه في الكروم الواقعة في الجهة الشمالية حيث سحبت إلى كفار هيس ما يدل على أن الهجوم الثاني كان بقصد التمويه كي تتمكن الهاغاناه من البحث عن قتلاها.

في ليلة 29/30 من أيار عام 1948 كان الهجوم الثالث على الطيرة في معركة سماها الأهالي باسم “هجمة المدفعية” و”هجمة المدرسة” وسمتها قوات الكسندروني عملية “سمحه” وقد بدأ الهجوم بقصف مدفعي شديد في ليلة السبت-الأحد والمرجح أن القصف جاء من ثلاث جهات: من “كفار هيس” في الشمال الغربي و”حيروت” في الغرب و”رمات هكوفيش” في الجنوب. أفاق الأهالي على دوي القذائف مذعورين فأخذوا ينزحون عن القرية باتجاه الشرق، كما فر أفراد الحامية العربية ولم يبق سوى المسلحين من أبناء الطيرة ومن أبناء قرية مسكة المهجرة. في تلك الليلة جمع المقاتلون الذخيرة، وتبين أن الكمية لا تكفي للصمود في المعركة فسافر الشيخ حسن ورفيق الشيخ نجيب وحسن العبد الله إلى طولكرم، حيث أيقظوا رئيس بلديتها وعدداً من أعضاء المجلس البلدي وطلبوا منهم فتح المخازن للتزود بالذخيرة، وكان لهم ذلك.

استمر القصف المدفعي على الطيرة حتى فجر يوم الأحد، وقد حاولوا نسف المدرسة (العمرية حالياً) ولكن يقظة أحد المدافعين أفشل خطتهم وكشفهم، كما وصل المهاجمون أطراف الطيرة في الجهة الشمالية الشرقية، وفي أثناء المعركة وصلت نجدات من القرى المجاورة برز من بينها النجدة القادمة من الطيبة التي التف أفرادها خلف قوات الهاغاناه فأربكتها وهذه العملية ساهمت في حسم المعركة لصالح أهالي الطيرة. فقد المهاجمون عدداً من القتلى منهم اثنان لا تزال جثتاهما مفقودتين حتى يومنا هذا، واستشهد من الطيرة داوود أحمد رزق منصور. بعد صد الهجوم حضر إلى القرية عدد من قادة الجيش العراقي في المنطقة ودرسوا الوضع، وقرروا وضع حامية من الجيش العراقي وإقامة مركز قيادة لهم في الطيرة وتجنيد مجاهدين من أهالي القرية في إطار فوج فلسطيني يُسمّى فوج صلاح الدين والذي كان يضم أبناء الطيرة والطيبة وقلنسوة وقلقيلية وغيرها من القرى المجاورة وقد أبلى فوج صلاح الدين بلاء حسناً في القتال إلى جانب الجيش العراقي وكان كل مجاهد فلسطيني يحصل على ذخيرة وراتب شهري مقداره عشرة دنانير، وقد أُنيطت بهذا الفوج وبأهالي القرية حفر الاستحكامات وسقفها حول القرية وكانت تسمى بالطابات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *